مقدمة#
تعمل مؤسسات التعليم العالي المعاصرة ضمن بيئة تتسم بتقلبات متصاعدة، وتحولات في الأنساق الديموغرافية والمالية، واضطرابات تكنولوجية متسارعة. وتاريخياً، اعتمدت الحوكمة الجامعية على النماذج الهرمية الفيبرية، والهياكل التنظيمية الرسمية، والصوامع الإدارية الجامدة التي تُغلِّب التوحيد القياسي على القدرة على التكيف. غير أن الوتيرة المتسارعة للتغيرات الخارجية كشفت عن هشاشة متأصلة في هذه البنى. ففي ظل الضغوط النظامية الشديدة، غالباً ما تتصدع هذه الهياكل شديدة الهرمية، مما يؤدي إلى عزل المعلومات والانكفاء نحو الركود البيروقراطي والشلل التعاوني الذي يخنق مساعي التكيف العابر للتخصصات.
ولتجاوز حقبة الاضطرابات المستمرة هذه، يتحتم على القيادات الأكاديمية تجاوز المفاهيم التقليدية للمرونة المؤسسية. ففي حين تشير المرونة (Resilience) إلى قدرة النظام على تحمل الصدمات الخارجية والعودة إلى حالة التوازن الأصلية، فإن الضرورة النظامية الأكثر تقدماً تتمثل في بناء ثقافة “مضادة للهشاشة” (Antifragility). ويصف هذا المصطلح، الذي صاغه عالم الإبستمولوجيا نسيم نقولا طالب، الكيانات التي لا تكتفي بمجرد النجاة من الضغوط والتقلبات والفوضى، بل تتعلم بنشاط، وتتكيف، وتزداد قوة كنتيجة مباشرة لتلك التحديات. وفي سياق التعليم العالي، تعمل المؤسسة المضادة للهشاشة على هندسة أنظمة تستثمر الاضطرابات كمحفزات للتطور الهيكلي، والابتكار التربوي، وتحسين الفعالية التشغيلية.
إن انتقال المؤسسة الأكاديمية من هرمية هشة إلى نظام بيئي مضاد للهشاشة يستلزم تحولاً إبستمولوجياً (معرفياً) نحو رسم خرائط “التنظيم غير الرسمي”. ويتطلب ذلك فهماً عميقاً للكيفية التي يُنجز بها العمل فعلياً، والتي غالباً ما تختلف جذرياً عن سلاسل الأوامر الرسمية. وهنا، يقدم تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) الإطار التجريبي والرياضي اللازم لقيادة هذا التحول. يرتكز هذا التحليل على نظرية المخططات (الرسوم البيانية)، والقياس الاجتماعي (السوسيومتري)، والسلوك التنظيمي، حيث يقوم بقياس ورسم الشبكات غير الرسمية والخفية للتواصل، وتبادل المشورة، والثقة؛ مما يوفر رؤية تجريبية واضحة للديناميكيات التشغيلية الحقيقية داخل الجامعة.
ومن خلال توظيف تحليل الشبكات التنظيمية، يمكن للقيادات الأكاديمية استكشاف مسارات الاتصال الغامضة، وتحديد وسطاء المعرفة الأساسيين، وتفكيك الصوامع المتجذرة، فضلاً عن البناء المنهجي لشبكات أكاديمية رشيقة. ويقدم هذا المقال مخططاً تحليلياً شاملاً لاستخدام تحليل الشبكات التنظيمية في تحفيز هذا التحول المؤسسي. إذ يدمج بين النظريات التأسيسية للنظم ذات الارتباط الرخو والفجوات الهيكلية، جنباً إلى جنب مع الأسس الرياضية للنماذج الإحصائية المتقدمة، بما في ذلك إجراءات التعيين التربيعي (QAP)، ونماذج الرسوم البيانية العشوائية الأسية (ERGM)، والنماذج العشوائية الموجهة للفاعلين (SAOM). وعلاوة على ذلك، يدرس المقال الاعتلالات المؤسسية مثل الإرهاق التعاوني واستنزاف المعرفة، مع تسليط الضوء على الضرورات الأخلاقية لحوكمة البيانات واللازمة لمنع المراقبة الرقمية. وفي نهاية المطاف، يزود هذا الإطار وكلاء الجامعات، والمشرفين، والمسؤولين الأكاديميين بمنهجية صارمة لتحسين التعاون البيني عبر التخصصات، وهندسة مؤسسات أكاديمية تتسم بنيتها الأساسية بأنها مضادة للهشاشة.
الأسس النظرية للشبكات الأكاديمية#
ترتكز الأسس النظرية للشبكات الأكاديمية على توليفة متعددة التخصصات تجمع بين علم الاجتماع التنظيمي، ونظرية المخططات (الرسوم البيانية)، والنظم التكيفية المعقدة. وبتجاوز الهرميات الفيبرية الجامدة، يُنظر إلى مؤسسات التعليم العالي الحديثة على نحو متزايد من خلال نماذج علائقية تؤكد على التدفق غير الرسمي للمعرفة، والثقة، والموارد. وتُفسر الأطر التأسيسية، مثل مفهوم ‘النظم ذات الارتباط الرخو’ لكارل ويك، الاستقلالية اللامركزية المتأصلة في الأقسام الأكاديمية، في حين تُسلط نظرية ‘الفجوات الهيكلية’ لرونالد بيرت الضوء على الكيفية التي يقوم بها وسطاء المعرفة الاستراتيجيون بجسر الهوة بين الصوامع المنفصلة لدفع عجلة الابتكار عبر التخصصات. وبالاقتران مع نظريات رأس المال الاجتماعي، توفر هذه النماذج البنية المفاهيمية الأساسية اللازمة لفهم الديناميكيات التشغيلية الحقيقية للجامعة. ومن خلال فحص هذه الركائز النظرية، تكتسب القيادات الأكاديمية رؤى نقدية حول البنى العلائقية التي تُمكن المؤسسات التعليمية من تجاوز مجرد المرونة لتحقيق حالة منهجية ‘مضادة للهشاشة’.
النظم ذات الارتباط الرخو عند “ويك”#
طرح مُنظِّر السلوك التنظيمي “كارل ويك” نظرية تأسيسية لفهم المنظمات التعليمية، حيث وصف المؤسسات التعليمية في مقولته الشهيرة بأنها “نظم ذات ارتباط رخو” (Loosely Coupled Systems). وفي إطار النظام ذي الارتباط الرخو، تتفاعل العناصر المختلفة للمؤسسة - مثل الأقسام الأكاديمية، والمراكز البحثية، والوحدات الإدارية - مع بعضها البعض، مع بقائها منفصلة واحتفاظها بهوياتها المستقلة والمتمايزة.
ويُتيح هذا الارتباط الرخو مزايا تطورية معينة: إذ يُمكن أن تحدث تكيفات موضعية دون إجبار النظام الكلي على التغيير، كما أن حدوث خلل أو إخفاق في أحد الأقسام لا يمتد أثره بالضرورة إلى الأقسام الأخرى، مما يحافظ على السلامة النظامية للمؤسسة. ومع ذلك، غالباً ما تكون الطوبوغرافيا الدقيقة لهذا الارتباط الرخو غائبة تماماً عن أنظار القيادات الجامعية. ففي غياب خريطة تجريبية تُحدد مواضع الارتباط الوثيق (الاعتماد المتبادل الشديد) ومواضع الارتباط الرخو (العزلة) داخل النظام، يعجز القادة عن التنسيق الفعال للمبادرات الاستراتيجية الشاملة على مستوى المؤسسة، مثل برامج البحوث البينية (العابرة للتخصصات) أو مساعي التحول الرقمي السريع. وهنا، يبرز دور تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) في سد هذه الفجوة الحرجة من خلال توفير رؤية رياضية واضحة للدرجات المتفاوتة من الارتباط عبر شبكة الجامعة.
حتمية الأنظمة “المضادة للهشاشة” في التعليم العالي#
يُسفر دمج نظرية “ويك” التنظيمية مع مفهوم “طالب” عن الأنظمة “المضادة للهشاشة” عن تقديم نموذج فكري قوي لحوكمة الجامعات. ففي حين يمتص النظام التعليمي المرن -بمفهومه المجرد- الصدمات (كالانتقال المفاجئ إلى بروتوكولات التعلم عن بُعد، أو الخفض المباغت في التمويل الاتحادي للمنح) ليعود في النهاية إلى حالة التوازن السابقة، فإن النظام التعليمي “المضاد للهشاشة” يستثمر هذه الصدمات للارتقاء الدائم بأساليب التقديم التربوي، ومسارات العمل بين الأقسام، وآليات تخصيص الموارد.
وتعتمد حالة الانعتاق من الهشاشة في الأوساط الأكاديمية اعتماداً كبيراً على الذكاء المُوزَّع والاستقلالية الموضعية، مدعومةً بشبكات اتصال قوية ومتعددة المسارات لضمان استمراريتها. ويجب أن يتضمن النظام فجوات هيكلية للحيلولة دون الوقوع في فخ “التفكير الجماعي” (Groupthink) على المستوى المؤسسي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على ما يكفي من الروابط الجسرية (Bridging connections) التي تكفل النشر السريع للحلول المبتكرة.
إن غرس ثقافة “مضادة للهشاشة” لدى الكوادر العاملة - حيث ينظر أعضاء هيئة التدريس والموظفون إلى حالة عدم اليقين بوصفها فرصة لتبني سلوكيات عمل مبتكرة - يعتمد بصفة جوهرية على الدعم الاجتماعي، والألفة في بيئة العمل، والشبكات التعاونية المتأصلة داخل المؤسسة. كما تُعد تنمية “معرفة الذات” (أي فهم الفرد لهويته وقيمه المهنية) و"الكفاءة الذاتية" (أي الإيمان بالقدرة على التكيف) بين أعضاء هيئة التدريس والمتعلمين أمراً بالغ الأهمية لتوليد هذه المنظومة المضادة للهشاشة. وعليه، فإن هندسة جامعة مضادة للهشاشة هي في جوهرها ممارسة منهجية تقوم على التحسين الأمثل للشبكات الهيكلية.
الفجوات الهيكلية ورأس المال الاجتماعي#
يتمثل أحد التحديات الجوهرية في الإدارة الجامعية في تفكيك الصوامع الأكاديمية والإدارية. فغالباً ما تعمل الأقسام كشبكات منعزلة تتسم بكثافة داخلية عالية مع شبه انعدام في الترابط الخارجي. وفي علم اجتماع الشبكات، يُعرّف غياب الروابط بين مجموعتين (أو عنقودين) كثيفتي الترابط بمصطلح “الفجوة الهيكلية” (Structural Hole).
وتفترض نظرية الفجوات الهيكلية، التي صاغها وطورها عالم الاجتماع “رونالد بيرت” على نطاق واسع، أن الأفراد الذين ينجحون في تجسير الفجوات بين المجموعات المنفصلة يحظون بمزايا تنافسية ومعلوماتية فريدة، مما يُمكنهم من مراكمة رصيد ضخم من “رأس المال الاجتماعي”. ونظراً لأن المعلومات، والآراء، والسلوكيات تميل إلى التجانس الشديد داخل التجمعات الكثيفة، فإن الفرد الذي تمتد شبكته لتشمل تجمعات متعددة يتعرض لأنماط تفكير بديلة ومتباينة (غير متجانسة).
وفي السياق الجامعي، فإن الأكاديمي الذي تعبر شبكته التعاونية الفجوة الهيكلية بين قسم علوم الحاسب وكلية العلوم الإنسانية، على سبيل المثال، يؤدي دور “الوسيط” (Broker). ويتحكم هؤلاء الوسطاء في تدفق المعلومات بين المجموعات المختلفة. ومن الناحية الإحصائية، يكونون أكثر قدرة بكثير على توليد أفكار جيدة ومبتكرة؛ إذ يمتلكون القدرة على توليف المفاهيم المتباينة، وإدراك الكيفية التي يمكن بها لممارسة تربوية أو منهجية بحثية في مجال معين أن تخلق قيمة مضافة في مجال آخر.
وفي المقابل، طرح “بيرت” مفهوم “القيد الشبكي” (Network Constraint) ليصف رياضياً مدى ترابط معارف الفرد ببعضهم البعض. فالقيد المرتفع يُشير إلى شبكة تكرارية (تفتقر للتنوع)؛ حيث تحيط بالفرد عصبة منغلقة أشبه بـ “غرفة صدى” (Echo-chamber). بينما يُشير القيد المنخفض إلى شبكة مفتوحة غنية بالفجوات الهيكلية. وقد أظهرت الأبحاث المستفيضة وجود ارتباط عكسي (سلبي) قوي بين القيد الشبكي والقدرة الابتكارية للفرد في بيئة العمل.
آليات تحليل الشبكات التنظيمية#
يُحوِّل تحليل الشبكات التنظيمية وحدة التحليل من الموظف الفرد أو القسم المعزول إلى العلاقات (الروابط الثنائية أو Dyads) القائمة بين هذه الكيانات. وفي إطار هذه المنهجية، يُعبَّر رياضياً عن الموظفين، أو الأقسام، أو حتى المؤسسات بأكملها بوصفها “عُقَداً” (Nodes / Vertices)، في حين تُمثَّل العلاقات، أو الاتصالات، أو التفاعلات المتبادلة بينها بوصفها “حوافاً” (Edges) أو “روابط” (Ties).
طرائق جمع البيانات#
يعتمد بناء تمثيل بياني دقيق للشبكة المؤسسية على منهجيتين أساسيتين لجمع البيانات: المنهجية النشطة، والمنهجية السلبية.
- تحليل الشبكات التنظيمية النشط (القائم على الاستبانات): يعتمد هذا التحليل على البيانات المُبلَّغ عنها ذاتياً، والتي تُجمع من خلال استبانات الشبكة أو نماذج تقييم وترشيح الأقران. حيث يُوجَّه للمشاركين أسئلة علائقية محددة، من قبيل: “إلى مَن تلجأ للحصول على المشورة بشأن تمويل البحوث؟” أو “موافقة مَن تُعد ضرورية من الناحية العملية قبل أن تتمكن من إقرار تغيير في المنهج الدراسي؟”. وتُعد هذه الطريقة فعالة للغاية في رسم خرائط للشبكات غير الملموسة والنوعية، مثل شبكات الثقة، وشبكات المشورة، وعلاقات التوجيه والإرشاد؛ وهي جوانب يصعب على البيانات الوصفية الرقمية (Metadata) التقاطها بسهولة. غير أن هذه المنهجية عرضة بطبيعتها لما يُعرف بـ “تحيز التذكر” (Recall bias)، والتفسيرات الذاتية، والإرهاق الناتج عن كثرة الاستبانات (Survey fatigue) بين أعضاء هيئة التدريس.
- تحليل الشبكات التنظيمية السلبي (المُخلَّفات الرقمية): يُحلل هذا المنهج غير النشط ما يُعرف بـ “المُخلَّفات الرقمية” أو “البيانات التبعية” (Digital Exhaust) التي تولدها منصات الاتصال المؤسسية. وتستخدم الجامعات الحديثة مجموعة من الأدوات الرقمية، بما في ذلك خوادم البريد الإلكتروني المؤسسي، ومنصات مثل (Microsoft Teams) و(Slack)، وأنظمة سير العمل الرقمية. ويقتصر هذا التحليل السلبي على معالجة البيانات الوصفية التي تولدها هذه الأنظمة، وتشمل: المُرسِل، والمُستلِم، والطابع الزمني، ووتيرة التفاعل. كما يتجاهل التحليل تماماً محتوى الاتصالات حفاظاً على الخصوصية الأكاديمية الصارمة. وتوفر هذه الطريقة خريطة دقيقة، ومستمرة، ولحظية للاتصالات التبادلية (الإجرائية)، والترابط البيني عبر الأقسام، وإجمالي ساعات التعاون. وتتخصص منصات مثل (Worklytics) و(Orgvue) و(Polinode) في تجميع وتصور هذه البيانات المؤسسية بصرياً.
المقاييس الرياضية الأساسية#
بمجرد جمع البيانات التأسيسية، توفر نظرية المخططات (الرسوم البيانية) عدة مقاييس رئيسية لتقييم كل من الخصائص الهيكلية الأوسع للمؤسسة والمزايا الموضعية المحددة للكوادر العاملة. وبدلاً من الاعتماد على مصفوفات رياضية معقدة، يمكن للإداريين فهم هذه الديناميكيات من خلال عدة مفاهيم أساسية:
- مركزية الدرجة (Degree Centrality): يقيس هذا المعيار الحجم المطلق لروابط التعاون المباشرة لعضو هيئة التدريس أو الإداري. ويمكن تقسيمه إلى اتصالات واردة (مثل الطلبات المُستلَمة) واتصالات صادرة (مثل الطلبات المُرسَلة). ومن الناحية الاستراتيجية، يُحدد هذا المقياس الأفراد الذين يُعتمد عليهم بكثافة والذين يمثلون ركيزة أساسية للعمليات اليومية، مما يسلط الضوء على أولئك المعرضين بشدة لخطر الإرهاق التعاوني والاحتراق الوظيفي.
- مركزية البينية (Betweenness Centrality): يُقيّم هذا المقياس مدى تكرار قيام الفرد بدور الجسر على أقصر مسار بين أشخاص آخرين غير متصلين ببعضهم. وفي البيئة الأكاديمية، يُبرز هذا المعيار “وسطاء المعرفة” الذين يجسرون الفجوات الهيكلية بين الأقسام المتباينة. كما أنه فعال للغاية في تحديد الاختناقات التشغيلية المحتملة ونقاط الإخفاق الفردية (Single points of failure) داخل الجامعة.
- مركزية القرب (Closeness Centrality): يحسب هذا المفهوم مدى قرب الشخص من كل فرد آخر في الشبكة، مما يمثل السرعة التي يمكنه بها الوصول إلى جميع الأفراد الآخرين. ويشير إلى مدى سرعة انتشار المعلومات من شخص معين إلى بقية شبكة الحرم الجامعي، مما يجعله مقياساً مفيداً للغاية لتحديد الرواد المثاليين لقيادة مبادرات إدارة التغيير.
- مركزية المتجه الذاتي (Eigenvector Centrality): متجاوزاً مجرد الحجم البسيط للاتصالات، يقيس هذا المعيار نفوذ الشخص بناءً على نفوذ الأشخاص المتصلين به. وتشير الدرجات العالية إلى أن الفرد متصل بأفراد آخرين ذوي شبكات اتصال واسعة. ويُعد هذا المقياس قيّماً للغاية لرسم خرائط هياكل السلطة غير الرسمية، واكتشاف المؤثرين الخفيين القادرين على توجيه التوجهات المؤسسية، حتى وإن كانوا يشغلون مرتبة رسمية أدنى في الهيكل التنظيمي.
- كثافة الشبكة (Network Density): بالانتقال من التقييم الفردي إلى التقييم الهيكلي الكلي (الماكرو)، تقيس الكثافة نسبة الاتصالات الملحوظة فعلياً إلى إجمالي الاتصالات المحتملة داخل مجموعة معينة. ويساعد هذا الإداريين على تشخيص ما إذا كان القسم متماسكاً بشدة ولكنه قد يكون منعزلاً ومقاوماً للأفكار الخارجية (كثافة عالية)، أو مجزءاً ويعاني من ضعف التواصل الداخلي (كثافة منخفضة).
ومن خلال التفعيل العملي لهذه المقاييس، يمكن للقيادات الجامعية الانتقال من الافتراضات النوعية حول التعاون بين الأقسام إلى خطوط أساس صارمة وقابلة للقياس الكمي. ويتيح هذا النهج التجريبي للقيادة التحديد الدقيق للمواضع التي تتطلب تدخلات نظامية لبناء مؤسسة أكثر رشاقة وعصية على الانكسار (مضادة للهشاشة).
تصنيف العُقد البشرية#
من خلال تحليل تقاطعات هذه المقاييس الرياضية، يكشف تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) عن “أنماط” (Personas) شبكية محددة تُعرّف الكيفية التي يعمل بها الأفراد داخل النظام البيئي الأكاديمي. ويُعد التعرف على هذه الطوبولوجيات أمراً بالغ الأهمية لإدارة المواهب والتصميم المؤسسي.
ووفقاً لنماذج التصنيف الشبكي المتقدمة، تبرز عدة أنماط حاسمة باستمرار داخل المنظمات القائمة على المعرفة:
- العقدة الفائقة (حلقة الوصل ذات الدرجة العالية): تتميز بارتفاع إجمالي “مركزية الدرجة” وارتفاع “مركزية المتجه الذاتي” (Eigenvector centrality) أو تصنيف الصفحة (PageRank). تُظهر هذه العقد تدفقاً ثنائي الاتجاه في مركز تجمع كثيف. ويلجأ إليهم الأفراد للحصول على المشورة والتعاون، مما يجعلهم عناصر أساسية ولكنهم عرضة بشدة لخطر العبء الزائد (الاحتراق).
- الجسر (مُجَسِّر الفجوات الهيكلية): يتميز بمركزية درجة إجمالية معتدلة، ولكن بـ “مركزية بينية” عالية بشكل استثنائي، مقترنة بمعامل تجميع منخفض. يقوم هؤلاء بربط تجمعين أو أكثر كانا لولا ذلك منفصلين تماماً. ويتمثل نمط الإخفاق المرتبط بهم في “نقطة الإخفاق الفردية”؛ إذ تؤدي إزالتهم إلى تجزئة الشبكة.
- العقدة المستقطبة (مستورد المعرفة): تُظهر درجة خارجية عالية مقترنة بمركزية بينية حدية عالية. ويتمثل نمطها المميز في إدارة الروابط (الحواف) التي تعبر الحدود التنظيمية، واستيراد المعرفة الخارجية (على سبيل المثال، من شركاء الصناعة أو الجامعات الأخرى) إلى داخل المؤسسة.
- قطب الخبرة (The Expert Hub): يُظهر درجة واردة (In-degree) عالية تحديداً في الروابط الساعية للمعرفة، مقترنة بـ “مركزية قرب” عالية داخل تجمع مجال تخصصه الدقيق. يتلقى هؤلاء تدفقاً وارداً غير متماثل، حيث يلجأ إليهم العديد من الأقران حصرياً للحصول على إجابات شديدة التخصص.
- المنسق (مهندس سير العمل): يتميز بدرجة صادرة (Out-degree) عالية في روابط التفويض، ولكن من المثير للاهتمام أن المركزية البينية لديه تتناقص بمرور الوقت. يقوم المنسق الناجح ببناء مسارات عمل وأنظمة تعمل في النهاية بشكل مستقل عنه، مما يجعل المؤسسة أقل اعتماداً على تدخله المباشر.
- البستاني (المُنَمِّي): يُظهر مركزية شخصية منخفضة، ولكنه يُحدث تغيراً (فارقاً كبيراً) في الكثافة الإجمالية للشبكة بمرور الوقت داخل محيطه. يعمل هؤلاء كمهندسين للشبكة، حيث يخلقون روابط بين العقد الأخرى ويعززون بيئة تعاونية خصبة دون إقحام أنفسهم في مركز سير العمل.
تشخيص وتفكيك الاعتلالات المؤسسية#
في حين تُعد هندسة الروابط عبر الفجوات الهيكلية أمراً حيوياً للابتكار المؤسسي، فإن الترابط الشبكي ليس خيراً خالصاً (أو منفعة مطلقة). إذ يمكن للاندفاع غير المدروس نحو “تفكيك الصوامع” وفرض حالة من التعاون الشامل أن يُفضي إلى خلل تنظيمي كارثي. ولذا، يتحتم على القيادات الإدارية توظيف تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) لتشخيص هذه الاعتلالات ومعالجتها بفعالية.
الإرهاق التعاوني وعتبة الـ 80%#
تتسم البيئة الأكاديمية المعاصرة بطفرة هائلة في الكثافة التعاونية. وتُشير أبحاث “روب كروس” وزملائه إلى أنه على مدار العقدين الماضيين، أمضى الموظفون وقتاً أطول في الأنشطة التعاونية، والاجتماعات، ورسائل البريد الإلكتروني، والمراسلات، وأعمال اللجان. وفي العديد من المنظمات، باتت هذه الأنشطة تستهلك الآن ما يصل إلى 80% من أسبوع العمل، مما يترك وقتاً ضئيلاً للعمل العميق والمُركَّز الذي يتطلبه البحث الأكاديمي المعقد أو التخطيط الاستراتيجي.
وفي بيئة جامعية ذات هيكل مصفوفي معقد، حيث يُتوقع من أعضاء هيئة التدريس إجراء البحوث الأساسية، والتدريس، وإرشاد الطلاب، والعمل في لجان إدارية متعددة، والمشاركة في المبادرات العابرة للأقسام؛ فإن الطلب على التعاون غالباً ما يتجاوز السعة الذهنية (الإدراكية) المتاحة. وغالباً ما يكشف تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) عن توزيع شديد الانحراف للطلب التعاوني، أشبه بتوزيع “باريتو” (Pareto). ففي كثير من الأحيان، تتحمل نسبة ضئيلة من القوى العاملة (تتراوح عادة بين 10-15%) الغالبية العظمى من الطلبات التعاونية. ويصبح هؤلاء الأفراد -الذين يمثلون “العقد الفائقة” و"أقطاب الخبرة"- ضحايا لكفاءتهم الخاصة. ونظراً لقدراتهم العالية وتمركزهم في قلب الشبكة، يستمر الزملاء في توجيه الاستفسارات وطلبات الموافقة إليهم باستمرار.
وعلى الرغم من أن “المركزية البينية” العالية ترتبط من الناحية النظرية بالابتكار والترقي الوظيفي، إلا أنها تُعد أيضاً مؤشراً قوياً على الاحتراق الوظيفي. إذ تُشير البيانات إلى أن الأفراد الذين ينظر إليهم زملاؤهم بوصفهم أفضل مصادر للمعلومات، غالباً ما يسجلون أدنى مستويات الرضا المهني والاندماج. وعندما تُثقل العقدة المركزية بالأعباء، فإنها تتحول من جسر للمعلومات إلى نقطة اختناق إداري حرجة. وحينها يزداد تأخر اتخاذ القرار بشكل أسي، وتتوقف الشبكة المؤسسية بأكملها تقريباً عن العمل. وعلاوة على ذلك، فإن أصحاب الأداء المتميز هؤلاء، والمحاصرين تحت سيل جارف من الطلبات التعاونية غير المُدارة، يصبحون عُرضة لخطر التسرب الوظيفي بشكل كبير.
وتشمل التدخلات الرامية لعلاج الإرهاق التعاوني إعادة توزيع العبء التعاوني، وذلك من خلال رفع مستوى بروز “العُقد الطرفية” (وهم الخبراء المتخصصون الأقل شهرة) لاستيعاب جزء من هذا الطلب. كما يُعد إرساء دفاعات هيكلية أمراً ضرورياً. فعلى سبيل المثال، تؤدي التدخلات المتمثلة في إلغاء جميع الاجتماعات الدورية لفترة محددة (وهي استراتيجية طبقتها شركة “دروبوكس”) إلى إجبار الموظفين على إعادة تقييم مدى ضرورة تلك التجمعات، مما يُفضي غالباً إلى تفاعلات أقصر وأكثر إنتاجية، واستعادة ما يقرب من يوم عمل كامل أسبوعياً من الوقت المُنتِج. وعلاوة على ذلك، تعمد بعض المنظمات إلى استحداث منصب “الرئيس التنفيذي للتعاون” (Chief Collaboration Officer) للتعامل مع الجهد التعاوني بوصفه مورداً مؤسسياً يجب وضع ميزانية له وإدارته بعناية.
الرواسب البيروقراطية وتشخيص العمليات#
إن تراكم المتطلبات التعاونية غير الضرورية يخلق ما يُعرف بـ “العبء التنظيمي” (Organizational drag) أو “الرواسب البيروقراطية” (Bureaucratic sludge). وغالباً ما تستجيب أنظمة الرقابة السيبرنطيقية (التوجيهية) داخل الجامعات الكبرى للأزمات (مثل تجاوز الميزانية أو الإخفاق في الامتثال) من خلال إضافة المزيد من آليات الرقابة، والتي تتخذ عادةً شكل طبقات إضافية من الموافقات والاجتماعات الإلزامية للجان متعددة التخصصات. ويؤدي هذا إلى زيادة مصطنعة في كثافة الشبكة الإدارية. غير أن الكثافة الشبكية المفرطة تصيب التنفيذ بالشلل، إذ يتحتم تحقيق التوافق بين عدد هائل وصعب المراس من العُقد قبل التمكن من اتخاذ أي إجراء.
لذا، يجب على الإداريين توظيف تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) بالتزامن مع “التنقيب في العمليات” (Process mining) لإجراء “تدقيق شامل للرواسب” (Sludge audit). يستخلص التنقيب في العمليات الحقيقة الرقمية من سجلات المعاملات، مستخدماً خوارزميات مثل “محاذاة التتبع” (Trace Alignment) لاكتشاف أنماط الانحراف والتحور في مسارات العمل. وفي حين يُحدد التنقيب في العمليات الاختناقات الإجرائية (أي يُجيب عن سؤال “ماذا؟")، فإن تحليل الشبكات التنظيمية يُحدد الانسدادات في الشبكة البشرية (أي يُجيب عن سؤال “مَن؟”). ومن خلال تحليل ساعات التعاون والبيانات الوصفية للاجتماعات، يمكن لتحليل الشبكات التنظيمية التحديد الدقيق لمواضع الانسداد في الشبكة البشرية، مما يكشف ما إذا كان التأخير ناجماً عن خطوة معيبة في الإجراءات أم عن فرد مُثقل بالأعباء يحاول تجسير عدد مفرط من الفجوات الهيكلية.
ولإجراء تدقيق الرواسب هذا بفعالية، يتعين على القيادات الإدارية إدراك المزايا النسبية والقيود الكامنة في منهجيات التشخيص الأساسية المتاحة لهم:
- تحليل الشبكات التنظيمية (ONA): يستمد بياناته الأساسية من المُخلفات الرقمية (البيانات الوصفية) واستبانات الموظفين. وتكمن نقطة قوته التحليلية الجوهرية في قدرته على التصور البصري للعلاقات البشرية غير الرسمية، ورسم خرائط النفوذ، والكشف عن الاختناقات الخفية. ومع ذلك، فإنه مقيد بطبيعته بالحاجة إلى مطابقة دقيقة للهويات (Clean identity mapping)، كما تتجاهل منهجيات التحليل السلبي تماماً التفاعلات الشخصية (وجهاً لوجه) التي تتم خارج نطاق الاتصال الرقمي.
- التنقيب في العمليات (Process Mining): تعتمد هذه المنهجية على سجلات أحداث النظام والطوابع الزمنية للمعاملات. وتتميز بقدرتها الفائقة على التعامل مع التعقيد الهيكلي الهائل، وتقدم رؤية موضوعية ومطلقة لمسارات العمل الرقمية ومتغيراتها. غير أن قيدها الرئيسي يكمن في قصورها عن إدراك السياقات البشرية والعلائقية التي غالباً ما تكون المحرك الأساسي لانحرافات مسارات العمل في المقام الأول.
- تخطيط تدفق القيمة (Value Stream Mapping - VSM): بالاعتماد على التدقيق القائم على الملاحظة والتوافق بين أصحاب المصلحة، تُعد هذه المنهجية فعالة للغاية في بناء التوافق بين فرق العمل وتصور احتكاكات “المساحات البيضاء” (White space friction) بصرياً، أي التأخيرات المادية التي تحدث خارج الأنظمة الرقمية. وعلى الرغم من مكامن القوة هذه، فإن هذه المنهجية تتسم بذاتية عالية، وتستغرق وقتاً طويلاً، وقد تغفل عن الاختناقات الرقمية الدقيقة التي تكتشفها الأنظمة الآلية بسهولة.
ومن خلال الدمج بين أدوات التشخيص هذه، يمكن للقيادات الأكاديمية التحديد المنهجي للرواسب البيروقراطية والقضاء عليها، مما يُفضي إلى التحسين الأمثل لكل من العمليات الرقمية والشبكات البشرية التي تقود مسيرة النجاح المؤسسي.
إدارة خطر استنزاف المعرفة (KDR)#
يتمثل أحد الاعتلالات الجوهرية الأخرى في “خطر استنزاف المعرفة” (Knowledge Drain Risk - KDR). إذ يؤدي هذا الخطر إلى تآكل المعارف والخبرات الحيوية (Critical know-how) للمنظمة نتيجة معدلات دوران الموظفين، أو التقاعد، أو التنقلات الداخلية. وتتجسد خطورة هذا التهديد بصفة خاصة في قطاع التعليم العالي، حيث يمتلك أعضاء هيئة التدريس في مسار التثبيت (Tenure-track) وكبار الإداريين مستودعات ضخمة من “المعرفة الضمنية” (Tacit knowledge). وعلى النقيض من المعرفة الصريحة (الموثقة رسمياً في الأدلة الإرشادية، أو الإجراءات، أو قواعد البيانات)، تمثل المعرفة الضمنية تلك الخبرات غير المكتوبة، والحدس المهني، ورأس المال العلائقي غير الرسمي الذي يكمن حصرياً في عقول الكوادر العاملة.
وحينما يغادر قائد أكاديمي أو إداري مخضرم مؤسسته، فإن معرفته الصريحة تبقى، بيد أن معرفته الضمنية -بما في ذلك شبكته المعقدة من الروابط البينية العابرة للتخصصات وعلاقات التمويل الخارجية- تتلاشى تماماً. وعلى غرار الاستنزاف الكارثي للمعرفة الذي شهدته وكالة “ناسا” عقب برنامج “أبولو” أو شركة “بوينغ” إثر موجات التقاعد الجماعي، يمكن للجامعات أن تعاني مما يُعرف بـ “فقدان الذاكرة المؤسسية” (Institutional amnesia).
وهنا، يُسهم تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) في التخفيف من حدة هذا الخطر من خلال التحديد الدقيق للأفراد الذين يمثلون “أقطاباً معرفية” حاسمة قبل مغادرتهم. ومن خلال رسم خرائط الشبكة، يمكن للقيادات الإدارية اتخاذ خطوات استباقية لإقران هذه العُقد المركزية بالعُقد الطرفية (Peripheral nodes) بغرض التوجيه والإرشاد (Mentorship)، مما يؤدي عملياً إلى تحويل المعرفة الشبكية الضمنية المُعرضة للفقدان إلى قدرة مؤسسية صريحة ومُوزَّعة.
إجراء التعيين التربيعي (QAP)#
عندما يحتاج الباحثون إلى مقارنة شبكتين متمايزتين تضمان نفس المجموعة من الفاعلين (على سبيل المثال، مقارنة شبكة التبعية الهرمية الرسمية في الجامعة بشبكة طلب المشورة غير الرسمية فيها، أو مقارنة شبكة التقارب المكاني الجغرافي بشبكة التعاون البحثي)، فإنهم يوظفون ما يُعرف بـ “إجراء التعيين التربيعي” (Quadratic Assignment Procedure - QAP).
ويُعد إجراء التعيين التربيعي طريقة لا مَعْلَميّة (Non-parametric) قائمة على إعادة أخذ العينات (Resampling)، وتُستخدم لاختبار الدلالة الإحصائية لمعاملات الارتباط أو الانحدار بين مصفوفات مسافة أو تجاور (Adjacency matrices) متعددة. ونظراً لأن الروابط الثنائية (Dyads) في أي شبكة ليست مستقلة عن بعضها، فإن الاعتماد على “الأخطاء المعيارية” (Standard errors) التقليدية يُعد غير صالح (Invalid). ويتجاوز إجراء التعيين التربيعي هذه الإشكالية من خلال التبديل المتكرر (Permuting) لصفوف وأعمدة المصفوفة التابعة، مع الحفاظ على البنية الكلية للشبكة (الطوبولوجيا) دون مساس.
ومن خلال حساب معامل الانحدار لآلاف من هذه التباديل العشوائية، يُولّد إجراء التعيين التربيعي توزيعاً تجريبياً (Empirical distribution) للمعاملات في ظل الفرضية الصفرية (أي الفرضية القائلة بأن المتغير المستقل ليس له أي تأثير). ويُتيح ذلك للقيادات الإدارية في الجامعات تحديد العلاقات السببية بشكل قاطع. فعلى سبيل المثال، يمكن لوكيل الجامعة استخدام “انحدار التعيين التربيعي” (QAP regression) لاختبار ما إذا كانت المسافة المكانية بين مكاتب أعضاء هيئة التدريس تتنبأ بشكل دال إحصائياً بتكوين روابط بحثية عابرة للتخصصات، بمعزل عن الانتماءات الإدارية الرسمية لأعضاء هيئة التدريس لأقسامهم الأكاديمية.
نماذج المخططات العشوائية الأسية (ERGMs)#
لفهم الآليات الضمنية على المستوى الجزئي (المايكرو) التي تُفرز الهيكل الكلي المُلاحَظ لشبكة الجامعة، يمكن للقيادات الإدارية توظيف “نماذج المخططات العشوائية الأسية” (ERGMs). وبدلاً من الاعتماد على لقطات زمنية ثابتة، تعمل هذه النماذج كنماذج تنبؤية متقدمة تحدد احتمالية تشكّل بنية شبكية معينة بناءً على مجموعتين متمايزتين من العوامل.
أولاً، تفحص هذه النماذج الديناميكيات الداخلية للشبكة، وتقيّم الميول الهيكلية مثل “التبادلية” (Reciprocity) (فإذا لجأتُ إليك للحصول على المشورة، فهل ستلجأ إليّ بدورك؟) أو “التعدّي” (Transitivity) (وهو ميل فردين يشتركان في جهة اتصال متبادلة للتواصل مع بعضهما البعض في نهاية المطاف). ثانياً، تأخذ هذه النماذج في الاعتبار السمات الشخصية الخارجية عن بنية الشبكة، مثل حالة التثبيت الأكاديمي للفرد، أو جنسه، أو قسمه الأكاديمي، وذلك لمعرفة الكيفية التي تؤثر بها هذه الخصائص على بناء الروابط وصنع العلاقات.
ومن خلال تطبيق نماذج (ERGMs)، يمكن للإداريين إجراء اختبارات صارمة للفرضيات المتعلقة بـ “التجانس” (Homophily) - وهو الميل السوسيولوجي للأفراد للتواصل في المقام الأول مع مَن يشاركونهم سمات أو خلفيات مماثلة. فعلى سبيل المثال، إذا أظهر النموذج ميلاً كبيراً وذا دلالة إحصائية عالية لدى أعضاء هيئة التدريس لتكوين روابط حصرياً داخل تخصصاتهم الأكاديمية الدقيقة، فإن الإدارة تكتسب بذلك دليلاً إحصائياً ملموساً على وجود صوامع أقسام متجذرة. وحينها، يمكن للقيادة هندسة تدخلات هيكلية -مثل تشكيل فرق عمل عابرة للتخصصات- وتشغيل نماذج (ERGMs) لاحقة لمعرفة ما إذا كان هذا الميل للتجانس ينخفض بمرور الوقت، وهو ما سيُمثل إشارة واضحة على نجاح جهود تفكيك تلك الصوامع.
ونظراً لأن التنبؤ باحتمالية تشكّل كل تركيبة ارتباط ممكنة داخل شبكة جامعية ضخمة يتطلب سعة وقدرة حاسوبية هائلة، فإن الباحثين يتجاوزون العمليات الحسابية التقليدية، ويعتمدون بدلاً من ذلك على خوارزميات محاكاة حاسوبية متقدمة لتقدير هذه الديناميكيات بدقة متناهية في الشبكات التي تضم آلاف الكوادر العاملة.
النماذج العشوائية الموجهة للفاعلين (SAOMs)#
في حين تُعد نماذج المخططات العشوائية الأسية (ERGMs) فعالة للغاية في التعامل مع البيانات المقطعية (أي تحليل لقطة زمنية للشبكة عند نقطة زمنية منفصلة ومحددة)، فإن المنظمات التعليمية تتسم بطبيعة شديدة الديناميكية. ولذا، ولدراسة الكيفية التي تتطور بها شبكة الجامعة على نحو طولي (بمرور الوقت)، تبرز الحاجة الماسة إلى توظيف “النماذج العشوائية الموجهة للفاعلين” (SAOMs).
تقوم هذه النماذج بنمذجة بيانات الشبكات الطولية من خلال محاكاة “عملية ماركوف ذات الزمن المستمر” (Continuous-time Markov process)، حيث يتخذ الفاعلون الأفراد خيارات احتمالية لإنشاء الروابط، أو الحفاظ عليها، أو تفكيكها؛ وذلك بناءً على “دالة هدف” (Objective function) محددة، مما يدفع الشبكة للانتقال من حالة مُلاحَظة إلى الحالة التي تليها. وعلاوة على ذلك، تُتيح هذه النماذج دراسة معمقة لـ “التطور المشترك” (Co-evolution) لكل من الشبكات وسلوك الأفراد.
فعلى سبيل المثال، يمكن لمشرف الأبحاث استخدام هذا النموذج لفك الاشتباك والتمييز الدقيق بين “تأثيرات الاختيار” (Selection effects) و"تأثيرات التفاعل/النفوذ” (Influence effects). فإذا بدأ أحد أعضاء هيئة التدريس في نشر الأبحاث بمعدل أعلى بكثير، يُمكن للنموذج أن يُحدد -بشكل رياضي- ما إذا كان الإنتاج البحثي لهذا العضو قد ازداد لكونه انضم استراتيجياً إلى شبكة تعاونية عالية الأداء (وهو ما يُمثل تأثير الاختيار)، أم أن اندماجه في تلك الشبكة التعاونية هو ما ارتقى بإنتاجه البحثي من خلال ضغط الأقران (Peer pressure) وتقاسم الموارد (وهو ما يُمثل تأثير التفاعل أو النفوذ). إن الفهم الدقيق لآلية “السببية” هذه يُعد أمراً بالغ الأهمية لتصميم برامج فعالة لتوجيه أعضاء هيئة التدريس وتطويرهم، فضلاً عن التخطيط السليم لمبادرات المنح البحثية العابرة للتخصصات.
دراسات حالة تجريبية في الشبكات التنظيمية#
تُثمر الأطر النظرية لتحليل الشبكات التنظيمية (ONA) عن رؤى عملية بالغة القابلية للتطبيق عند توظيفها في معالجة التحديات التنظيمية المعقدة. وتبرهن دراسات الحالة المقارنة، سواء في قطاع التعليم العالي أو في كبرى المؤسسات وقطاعات الأعمال، على مدى نجاعة هذه المنهجية وفعاليتها.
تكامل ما بعد الاندماج والتمازج الثقافي#
من الثابت أن عمليات اندماج المؤسسات الأكاديمية، أو الكليات، أو الأقسام الكبرى تتسم بصعوبة بالغة، وكثيراً ما تبوء بالفشل نتيجة للصدامات الثقافية واستمرار بقاء “الصوامع الموروثة” (Legacy silos) المتجذرة. وفي سياق عمليات الاندماج والاستحواذ (M&A) في قطاع الشركات، توظف المنظمات تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) لرسم خرائط العلاقات غير الرسمية الممتدة عبر الكيانين، وتحديد “حُرّاس البوابة” (Gatekeepers)، وفهم مكامن الاختناقات التعاونية. فعندما تندمج شركتان، تقتصر خطة التكامل الرسمية عادةً على ربط الهياكل التنظيمية ببعضها البعض.
بيد أن تحليل الشبكات التنظيمية يكشف النقاب عن الشبكات غير الرسمية التي يتعين تجسيرها، ويُحدد الروابط البشرية المحورية (Key connectors) التي يجب الاحتفاظ بها من كِلا الكيانين المندمجين للحيلولة دون استنزاف المعرفة، فضلاً عن تحديد المواضع التي تكمن فيها الحواجز التعاونية الخفية. وتفيد التقارير بأن الشركات التي توظف هذا التحليل خلال مرحلة تكامل ما بعد الاندماج تشهد تمازجاً ثقافياً أسرع بنسبة تتراوح بين 25% إلى 30%.
وفي السياق الجامعي، وكما هو الحال عند دمج كلية للطب مع كلية للهندسة لتأسيس معهد للهندسة الحيوية، فإن تحليل الشبكات التنظيمية يضمن تحقيق تعاون بيني حقيقي وعابر للتخصصات، عوضاً عن التمخض عن مجرد كيانين منفصلين يتقاسمان المبنى ذاته.
شبكات تعزيز الصحة الجامعية#
يتمثل أحد التطبيقات البارزة لتحليل الشبكات التنظيمية (ONA) في قطاع التعليم العالي في رسم خرائط الهياكل الجامعية المُكرَّسة لتعزيز صحة الطلاب. ويُعد العمل الجماعي الذي تضطلع به مجموعة واسعة من الأطراف المعنية (أصحاب المصلحة) في الجامعة (مثل: خدمات دعم الطلاب، والمعاهد الرياضية، ومكاتب العمداء) أمراً حاسماً للتنفيذ الفعال للتدخلات؛ إذ لا توجد جهة واحدة بمفردها تمتلك السيطرة على التفاعل المعقد لمحددات صحة الطلاب.
وفي إحدى الدراسات الموثقة التي وظّفت تحليل الشبكات التنظيمية لفحص الهياكل المعنية بتعزيز الصحة في إحدى الجامعات، عكف الباحثون على رسم خرائط لروابط الاتصال والتعاون القائمة بين 33 وحدة تنظيمية متمايزة. ومن خلال حساب ارتباطات الشبكات المتداخلة (Inter-network correlations) باستخدام “إجراء التعيين التربيعي” (QAP)، قدمت الدراسة تصوراً بصرياً دقيقاً لمواقع وخصائص الفاعلين في الشبكة؛ وذلك بهدف تحديد الأطراف المعنية الرئيسية وتعيين نقاط الانطلاق المثلى لتطوير الشبكة. وقد كشف التحليل عن مستويات متفاوتة من التكامل، مُسلطاً الضوء على الأقسام التي كانت تتعاون بفعالية لدعم رفاه الطلاب، وتلك التي كانت تقبع في عزلة، مما يوفر أساساً تجريبياً رصيناً لضمان الحوكمة المستدامة للشبكات المؤسسية.
الحوكمة الأخلاقية، والخصوصية، وأمن البيانات
يستلزم توظيف تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) داخل مؤسسات التعليم العالي إرساء ضوابط أخلاقية صارمة. إذ تتسم البيئات الأكاديمية بحساسية مفرطة تجاه قضايا الحرية الأكاديمية، والخصوصية، والمراقبة الإدارية (مراقبة جهة العمل). فإذا ما نظر أعضاء هيئة التدريس والموظفون إلى هذا التحليل بوصفه أداة تطفلية تهدف إلى “الإدارة التفصيلية المجهرية” (Micromanagement) أو المراقبة العقابية، فإن ذلك سيُثير ردة فعل ثقافية عكسية وكارثية، ويُدمر الثقة المؤسسية، ويُقوّض بصفة جوهرية سلامة وموثوقية البيانات المُجمَّعة. وتُشير البيانات إلى أن 86% من الكوادر العاملة يعتقدون أن ممارسات المراقبة في بيئة العمل ستشهد ازدياداً، في حين يرى 73% منهم أن استحداث مثل هذه الممارسات الرقابية يُلحق ضرراً فادحاً بالثقة المتبادلة بين الموظفين وجهات العمل.
أخلاقيات الفضيلة والعتامة الخوارزمية
من منظور “أخلاقيات الفضيلة” (Virtue ethics)، تفرض العتامة (الضبابية) الخوارزمية والتحويل الشامل إلى بيانات (Datafication) تحديات جسيمة على الصحة التنظيمية للمؤسسات. إذ يمكن للمراقبة المستمرة لسلوك الكوادر العاملة - عبر التحليلات التنبؤية وتحليل الشبكات التنظيمية (ONA)- أن تخلق “حلقة مفرغة” يفقد فيها أفراد المؤسسة القدرة على صقل الحكمة العملية وتنمية الفضائل المهنية. فعندما يشعر الموظفون بأنهم خاضعون لـ “عيون لا تغفل” ولمراقبة آلية مستمرة، فإنهم يعمدون إلى تعديل سلوكياتهم بدافع الخوف والامتثال الشكلي، وليس انطلاقاً من رغبة في التعاون الأصيل. وعليه، يتحتم أن يخضع توظيف تحليل الشبكات التنظيمية لمبادئ حاكمة صارمة تكفل حماية الفاعلية البشرية (Human agency) والكرامة الإنسانية.
الحد من تداعيات “قانون جودهارت”#
ينص “قانون جودهارت” (Goodhart’s Law) على أنه “عندما يُصبح المقياس هدفاً، فإنه يفقد قيمته كمقياس جيّد”. فإذا ما أعلنت الإدارة الجامعية رسمياً أن “ساعات التعاون” أو “المركزية البينية” ستتحكم بشكل مباشر في قرارات التثبيت الأكاديمي (Tenure) أو التقييمات السنوية للأداء، فإن أعضاء هيئة التدريس سيلجؤون حتماً إلى تضخيم مؤشراتهم الشبكية بشكل مصطنع؛ وذلك عبر إرسال رسائل بريد إلكتروني لا طائل منها، وجدولة اجتماعات سطحية، وافتعال روابط علائقية زائفة.
ولدرء هذا الانحراف، يجب ألا يُتخذ تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) بأي حال من الأحوال كسلاح لترصّد أو مراقبة الأداء الفردي. فالغاية الأخلاقية والجوهرية من هذا التحليل تتمثل في تشخيص ديناميكيات النظام على المستوى الكلي (الماكرو)، ورصد الاحتكاكات التنظيمية، وتحديد أوجه الاختلال الهيكلي. وعليه، ينبغي للوحات التحكم والمتابعة (Dashboards) المتاحة للإدارة أن تقتصر على عرض مقاييس “الصحة الشبكية” على مستوى فرق العمل والأقسام، بدلاً من كشف سجلات الاتصالات الفردية. ففي نهاية المطاف، يجب أن يظل هذا التحليل أداة تشخيصية لتقويم البنية التنظيمية، وليس أداة لتقييم مدى الامتثال الفردي.
الخصوصية بالتصميم وحوكمة البيانات الوصفية#
يجب أن تلتزم البنية التحتية التكنولوجية لتحليل الشبكات التنظيمية (ONA) التزاماً لا هوادة فيه بمبادئ “الخصوصية بالتصميم” (Privacy-by-design). وعند توظيف التحليل السلبي للشبكات عبر منصات الاتصال الرقمية المؤسسية، يجب أن يقتصر استخراج البيانات بشكل صارم ودقيق على البيانات الوصفية (Metadata).
إن أي نظام يعمد إلى تحليل محتوى رسائل البريد الإلكتروني أو المراسلات، أو عناوين الموضوعات، أو المرفقات؛ يتجاوز بذلك حداً أخلاقياً لا يجوز المساس به، لينحدر من مرتبة التحليلات الشبكية المشروعة إلى قاع المراقبة “الأورويلية” (Orwellian surveillance) الاستبدادية. ومن خلال الاقتصار الصارم على تحليل “المُخلَّفات الرقمية” (مثل: مَن يتواصل مع مَن، ووتيرة الاتصال، والطوابع الزمنية)، يمكن للمؤسسات رسم الخرائط الطوبولوجية الهيكلية بدقة عالية وموثوقية، مع البقاء في منأى تام عن مضمون الخطاب الأكاديمي، أو السياسي، أو الشخصي للكوادر.
وعلاوة على ذلك، يتطلب التنفيذ الأخلاقي لتحليل الشبكات التنظيمية الالتزام بالمرتكزات التالية:
- إخفاء الهوية والتجميع (Anonymization and Aggregation): ينبغي استخدام أسماء مستعارة لهويات الأفراد أو إخفاؤها بالكامل خلال مرحلة التحليل. ويجب عرض النتائج للقيادات العليا في شكل بيانات مُجمَّعة على مستوى القسم، أو الكلية، أو فريق العمل؛ وذلك بهدف تحديد الاتجاهات الكلية (الماكرو) دون كشف أو فضح سجلات التفاعل الفردية.
- الشفافية والموافقة (Transparency and Consent): يجب أن تحافظ المؤسسات على شفافية مطلقة فيما يتعلق بطبيعة البيانات التي تُجمع، والخوارزميات المحددة المُطبَّقة، والغاية النهائية من هذا التحليل. وبصفة خاصة في المناطق الخاضعة للائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) أو الأطر التشريعية المماثلة، يُعد إجراء “تقييم أثر حماية البيانات” (DPIA) وإرساء أساس لـ “المصلحة المشروعة” (أو الحصول على موافقة صريحة مسبقة للاستبانات النشطة) شرطاً قانونياً صارماً لا غنى عنه.
- الرقابة البشرية المدمجة (Human-in-the-Loop Oversight): يُمثل التحيز الخوارزمي خطراً جسيماً وشائعاً. ولذا، يجب وضع نتائج تحليل الشبكات التنظيمية في سياقها الصحيح من خلال الاستعانة بالمقابلات النوعية، والتحليل التقليدي لنطاق الإشراف (Span-of-control)، والرقابة البشرية الفاحصة. فعلى سبيل المثال، العقدة التي تظهر على الشبكة كعنصر “معزول” (يمتلك روابط قليلة جداً) قد لا تعني بالضرورة أنه موظف غير مندمج أو متعثر؛ بل قد يكون باحثاً شديد التركيز منخرطاً في “عمل عميق” (Deep work) تعتمد إنتاجيته كلياً على الحد من المشتتات التعاونية.
مخطط تحليلي للقيادات الإدارية في الجامعات#
للانتقال من الأطر النظرية لعلم الشبكات والنمذجة الإحصائية إلى سياسات مؤسسية عملية وقابلة للتنفيذ، يتحتم على القيادات الجامعية (من وكلاء الجامعة، والعمداء، والمشرفين الإداريين) تطبيق “تحليل الشبكات التنظيمية” (ONA) بأسلوب منهجي ومرحلي. ويُترجم المخطط التوجيهي التالي مخرجات هذا التحليل ونتائجه إلى تصميم تنظيمي “مضاد للهشاشة” (عصي على الانكسار).
المرحلة الأولى: تحديد المحددات الاستراتيجية والقياس المرجعي#
قبل الشروع في نشر المنصات البرمجية المتقدمة، يتعين على القيادات الإدارية التحديد الدقيق للسؤال الاستراتيجي المُوجِّه؛ هل تسعى المؤسسة إلى دمج كليتين؟ هل تحاول تسريع وتيرة التسويق التجاري للأبحاث العلمية عبر الأقسام؟ أم هل تعكف على تشخيص حالة احتراق وظيفي (Burnout) نظامية متفشية بين أعضاء هيئة التدريس؟
وبمجرد تحديد الهدف الجوهري، يعتمد تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) في قياسه المرجعي (Baseline) على نهج منهجي هجين: إذ يقوم “الاستخراج السلبي” للبيانات الوصفية برسم خرائط لشبكة المعاملات ذات الكثافة العالية، مدعوماً باستبانات “نشطة” وموجهة لرسم خرائط شبكات “الثقة” و"طلب المشورة" التي تتسم بتفاصيل ودقائق أكثر تعقيداً. كما يجب إشراك ممثلي الشؤون القانونية، وخصوصية البيانات، والموارد البشرية في مرحلة مبكرة لضمان استصدار الموافقات اللازمة، والتواصل الاستباقي مع مجلس أعضاء هيئة التدريس (Faculty senate) لإرساء دعائم الثقة المتبادلة.
المرحلة الثانية: تحديد مكامن الضعف والأصول الخفية#
تُحلل “المخططات الاجتماعية” (Sociograms) و"مصفوفات الشبكة" (Network matrices) الناتجة إحصائياً لتحديد الاختلالات الهيكلية الحرجة (Structural anomalies)، وتصنيف أنماط الفاعلين (Personas) في الشبكة البشرية على النحو التالي:
- نقطة الإخفاق الفردية (The Single Point of Failure): تحديد عُقد “الجسر” التي تربط بين التخصصات الأكاديمية المتمايزة. ونظراً لأن مغادرتهم المفاجئة من شأنها أن تُجزئ الشبكة وتُحدث استنزافاً حاداً للمعرفة، يجب على القيادات الإدارية بناء “وفرة/تكرارية هيكلية” (Redundancy) بشكل مُتعمَّد؛ وذلك عبر تكليف هذه الجسور بمهام الإرشاد والتوجيه الرسمي لأعضاء هيئة التدريس حديثي العهد، مما يُسهم في إرساء روابط موازية تعبر تلك الفجوة الهيكلية.
- الخبراء المعزولون (The Isolated Experts): تحديد “العُقد الطرفية” (Peripheral nodes) التي تمتلك خبرات تخصصية دقيقة وحاسمة، ولكنها تفتقر إلى “مركزية القرب” (Closeness centrality) اللازمة لنشر معارفها على نطاق واسع. إن إدماج هؤلاء الأفراد ضمن فرق عمل عابرة للتخصصات من شأنه أن يُطلق العنان للقيمة المؤسسية الكامنة.
- العاملون المُثقلون بالأعباء (The Overloaded Operators): إجراء مقارنة مرجعية متقاطعة (Cross-reference) بين ساعات التعاون و"المركزية البينية" (Betweenness centrality)؛ لتحديد أعضاء هيئة التدريس والكوادر الإدارية المُعرضين لخطر حاد يتمثل في الإرهاق التعاوني والاحتراق الوظيفي.
المرحلة الثالثة: هندسة التدخلات لبناء منظومة “مضادة للهشاشة”#
يتطلب النظام “المضاد للهشاشة” (Antifragile system) قدراً من التقلب المنضبط (Controlled volatility)، وتفكيكاً للهياكل المتكلسة، وتكيفاً هيكلياً مستمراً. وينبغي للتدخلات المستندة إلى بيانات تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) أن تُركز على إعادة الهيكلة الفعالة لروابط المؤسسة (Re-wiring)، وذلك على النحو التالي:
- إعادة تصميم البيئات المكانية (المادية) والرقمية: إذا كشف “انحدار التعيين التربيعي” (QAP regression) أن التقارب المكاني يُوجِّه مسار التعاون بدرجة تفوق التوافق الأكاديمي للأقسام، فيجب على القيادات الإدارية الدمج الاستراتيجي لمكاتب أعضاء هيئة التدريس عبر التخصصات المختلفة؛ وذلك لخلق روابط شبكية عفوية (Serendipitous network ties) وتجسير الفجوات الهيكلية بشكل منهجي.
- التحسين الأمثل لتشكيل اللجان: بدلاً من تشكيل اللجان الجامعية استناداً حصرياً إلى المراتب الهرمية الرسمية، ينبغي للإداريين توظيف “مركزية المتجه الذاتي” (Eigenvector centrality) لتحديد المؤثرين غير الرسميين. إذ يمتلك هؤلاء الأفراد رأس المال الاجتماعي (Social capital) الكفيل بحشد التوافق، والتغلب على مقاومة التغيير، وتسريع وتيرة تبني الخطط الاستراتيجية الجديدة في جميع أنحاء الحرم الجامعي.
- إصلاح مقاييس التقييم والترقي الوظيفي: غالباً ما تميل هياكل الحوافز الأكاديمية الحالية - ولا سيما عملية التثبيت الأكاديمي (Tenure process)- إلى تفضيل الأبحاث العميقة والمتخصصة داخل نطاق تخصص واحد، مما يؤدي دون قصد إلى مكافأة القيود الشبكية الصارمة والشبكات الكثيفة والمغلقة. ولبناء منظومة أكاديمية “مضادة للهشاشة”، يجب على الجامعات تعديل هياكل الحوافز لديها لتُكافئ صراحةً جهود “تجسير الفجوات الهيكلية” (Spanning structural holes)، والاعتراف بالتعاون العابر للأقسام واستقطاب المنح البحثية البينية (متعددة التخصصات) بوصفها إنجازات أكاديمية رفيعة المستوى. إن تعويض أعضاء هيئة التدريس عن “الجهد غير المرئي” (Invisible labor) المتمثل في عملهم كأقطاب مركزية في شبكة المشورة، من شأنه أن يُوائم بين الحوافز الفردية والهدف النظامي الشامل المتمثل في تحقيق الاستعصاء على الانكسار (مضادة الهشاشة).
المرحلة الرابعة: الرصد الطولي المستمر#
يجب التعاطي مع المنظمة الأكاديمية بوصفها نظاماً بيئياً حياً ونابضاً بالحياة، وليس مجرد مخطط هيكلي جامد وثابت. وعقب تنفيذ التدخلات الهيكلية، يتحتم على القيادة الإدارية إجراء تحليلات طولية (Longitudinal analyses) باستخدام “النماذج العشوائية الموجهة للفاعلين” (SAOMs) لتقييم مسار “التطور المشترك” (Co-evolution) للشبكة.
فعلى سبيل المثال، إذا ما أُسس معهد بحثي جديد عابر للتخصصات بغية تفكيك الصوامع الأكاديمية، فهل تُظهر البيانات الوصفية المُستخرجة سلبياً (Passive metadata) على مدار الاثني عشر شهراً اللاحقة زيادةً في الكثافة الشبكية بين الأقسام وانخفاضاً في “الميل للتجانس” (Homophily)؟ أما إذا أظهرت البيانات ارتداد أعضاء هيئة التدريس وتقوقعهم داخل شبكاتهم الموروثة (Legacy networks)، فإن ذلك التدخل يستوجب تعديلاً وتصحيحاً فورياً.
إن الرصد المستمر والمنضبط أخلاقياً يُتيح للجامعة الاستشعار المبكر للصوامع الناشئة واكتشافها قبل أن تتكلس وتتجذر، مما يضمن بقاء الهيكل التنظيمي رشيقاً، ومرناً، وانسيابياً.
الخاتمة#
إن نماذج الحوكمة الهرمية التقليدية في قطاع التعليم العالي تُعد قاصرة جوهرياً عن مواكبة سرعة، وتقلب، وتعقيد البيئة الاجتماعية والاقتصادية الحديثة. فمن خلال الاعتماد حصرياً على الهياكل التنظيمية الجامدة والتقسيمات الإدارية المتجذرة بعمق، تُعزز الجامعات -دون قصد- من الهشاشة النظامية (Systemic brittleness)، وتتسبب في تكلس المعارف الحاسمة داخل صوامع معزولة، وتُعرّض أكفأ كوادرها لإرهاق تعاوني مُنهك. ومن أجل البقاء والازدهار وسط الاضطرابات المتلاحقة في القرن الحادي والعشرين، يتعين على المؤسسات التعليمية هندسة بنائها الداخلي لتحقيق “الاستعصاء على الانكسار” (مضادة الهشاشة - Antifragility)، وذلك عبر تصميم هياكل رشيقة تتخذ من حالة “اللاانتظام” (Disorder) محركاً أساسياً للتطور والنمو المستمرين.
ويُوفر تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) الإطار التجريبي الحاسم لإحداث هذا التحول الجذري. فمن خلال المزج بين “المُخلَّفات الرقمية” المُستخرجة سلبياً وبيانات الاستبانات النشطة، يمكن للقيادات الإدارية والأكاديمية تسليط الضوء على البنية الخفية للثقة، والنفوذ، وتدفق المعلومات؛ وهي البنية التي تتحكم فعلياً في تشكيل الواقع المؤسسي. ومن خلال التطبيق الصارم لمقاييس الشبكات - مثل “المركزية البينية” لتحديد الوسطاء الحاسمين، و"نظرية الفجوات الهيكلية" لتحفيز الابتكار العابر للتخصصات- تستطيع القيادات الأكاديمية إعادة هندسة روابط الجامعة (Rewire) بأسلوب منهجي.
وحينما يُدعم هذا التحليل بنماذج إحصائية متقدمة - مثل إجراء التعيين التربيعي (QAP)، ونماذج المخططات العشوائية الأسية (ERGMs)، والنماذج العشوائية الموجهة للفاعلين (SAOMs)- ويُحاط بضوابط أخلاقية صارمة لا مساومة فيها فيما يتعلق بالخصوصية وحوكمة البيانات، فإن تحليل الشبكات التنظيمية (ONA) يتجاوز كونه مجرد أداة للتصور البصري؛ بل يتحول ليصبح بمثابة “نظام التشغيل” (Operating system) التأسيسي لنظام بيئي تعليمي رشيق، ومرن، ومضاد للهشاشة بطبيعته؛ مما يضمن للمؤسسة الأكاديمية ألا تكتفي بمجرد النجاة في المستقبل، بل أن تشارك بفاعلية في صياغته وتشكيله.
المراجع#
- Adebayo, Emmanuel & Shankar, R. Shiva. (2026). Strategic Planning and Its Influence on Institutional Performance in Higher Education.
- Ahmad, Noor & Ibrahim, Nabisah & Abdul Hamid, Ahmad Shukri. (2022). University Students’ Civic Engagement: The Influencing Factors. Malaysian Journal of Social Sciences and Humanities (MJSSH). 7. e001626. 10.47405/mjssh.v7i8.1626.
- Angwaomaodoko, Ejuchegahi. (2024). Exploring Civic Engagement through Student-Led Initiatives. International Research in Education. 12. 1. 10.5296/ire.v12i2.21934.
- Arslan, Faruk. (2016). Social Physics: How Good Ideas Spread-The Lessons from a New Science, by Alex Pentland. Journal of Information Privacy and Security. 12. 218-220. 10.1080/15536548.2016.1243849.
- Borgatti, Stephen & Mehra, Ajay & Brass, Daniel & Labianca, Giuseppe. (2009). Network Analysis in the Social Sciences. Science. 323. 892-895. 10.1126/science.1165821.
- Burt, R. S. (2003). The social structure of competition. Networks in the knowledge economy, 13(2), 57-91.
- Burt, Ronald. (2001). The Social Capital of Structural Holes. 10.1093/oso/9780199249145.003.0002.
- Callahan, Gene. (2014). Pentland, Alex, Social Physics: How Good Ideas Spread-the Lessons from a New Science, New York, NY: The Penguin Press, 2014. vii + 320 Pages. $27.95 (hardback). The Review of Austrian Economics. 29. 10.1007/s11138-014-0276-6.
- Ceoldo, Giacomo & Snijders, Tom & Wit, Ernst. (2023). Stochastic Actor-Oriented Model with Random Effects. 10.48550/arXiv.2304.07312.
- Cook, Ryan. (2026). Dynamic programming for calculating the triad census. Social Networks. 87. 77-91. 10.1016/j.socnet.2026.06.003.
- Cranmer, S. J., & Desmarais, B. A. (2011). Inferential Network Analysis with Exponential Random Graph Models. Political Analysis, 19(1), 66–86. doi:10.1093/pan/mpq037
- Cross, R. (2021). Beyond Collaboration Overload: How to Work Smarter, Get Ahead, and Restore Your Well-Being. Harvard Business Review Press.
- Cross, R., & Thomas, R. (2011). A smarter way to network. Harvard Business Review, 89(7-8), 149–167.
- Cross, R., Rebele, R., & Grant, A. (2016). Collaborative overload. Harvard Business Review, 94(1), 74–79.
- Cross, Rob & Parker, Andrew. (2004). The Hidden Power of Social Networks.
- Dauer, Jenny & Sorensen, Amanda & Wilson, Jena. (2021). Students’ Civic Engagement Self-Efficacy Varies Across Socioscientific Issues Contexts. Frontiers in Education. 6. 628784. 10.3389/feduc.2021.628784.
- de Miranda Grochocki, L. F., & Cabello, A. F. (2023). Research collaboration networks in maturing academic environments. Scientometrics, 128(4), 2535–2556. https://doi.org/10.1007/s11192-023-04671-z
- Dias, Thiago & Dias, Patrícia & Moita, Gray. (2013). ANALYSIS COLLABORATION NETWORKS OF SCIENTIFIC PUBLICATIONS. 10.5748/9788599693094-10CONTECSI/PS-261.
- Ganesan, Raja. (2025). Organizational Agility in Crisis Management: A Study of Business Continuity During Global Pandemics. International Journal of Economics and Business Management Research. 1. 18-26. 10.64137/31079423/IJEBMR-V1I1P103.
- Harris, J. K. (2014). An introduction to exponential random graph modeling. SAGE Publications, Inc., https://doi.org/10.4135/9781452270135
- Krackhardt, D., & Hanson, J. R. (1993). Informal networks: the company behind the chart. Harvard Business Review, 71(4), 104–111.
- Labun, Alona & Wittek, Rafael. (2014). Structural Holes. 10.1007/978-1-4614-6170-8_263.
- Laufer, Melissa & Kuper, Freia & Deacon, Bronwen & Sievering, Marvin & Schäfer, Len Ole. (2025). Strategic ambiguities: exploring the role of digitalisation strategies in university teachers’ engagement with educational technology. European Journal of Higher Education, 16. 62-80. 10.1080/21568235.2025.2486788.
- Lazega, Emmanuel & Burt, Ronald. (1995). Structural Holes: The Social Structure of Competition. Revue Française de Sociologie. 36. 779. 10.2307/3322456.
- Lekena, Liile & Bayaga, Anass. (2026). Network analysis of strategic planning’s influence on performance outcomes in South African universities. Discover Education. 5. 10.1007/s44217-025-00890-z.
- Li, You-hong & Zhan, Yinwei & Gao, Le & Wang, Tian-Yu & Mo, Hao-Ming & Nasri, Adel. (2025). Federated dynamic graph neural network for cross-modal organizational real-time community detection. Neurocomputing. 654. 131322. 10.1016/j.neucom.2025.131322.
- Liu, J., Nitiasih, P. K., Santosa, M. H., & Riastini, P. N. (2026). Network-based analysis of student self-governance networks and predictive role in civic participation outcomes. Scientific Reports, 16, 4141. https://doi.org/10.1038/s41598-025-34205-x
- Luo, Wei & Wang, Yaoli & Liu, Xi & Gao, Song. (2019). Cities as Spatial and Social Networks: Towards a Spatio-Socio-Semantic Analysis Framework. 10.1007/978-3-319-95351-9_3.
- Lv, Xin. (2023). Research on the manifestation of university network Civics teaching based on adaptive network. Applied Mathematics and Nonlinear Sciences. 9. 10.2478/amns.2023.2.00769.
- Manning, Kathleen. (2024). Organizational Theory in Higher Education. 10.4324/9781003349068.
- Mattie, H., Goyal, R., Gruttola, V. D., & Onnela, J. P. (2025). A review of network models for HIV spread. Journal of Acquired Immune Deficiency Syndromes (1999), 98(4), 309. https://doi.org/10.1097/QAI.0000000000003578
- Meisel, José & Montes, Felipe & Ramírez, Angie & Lemoine, Pablo & Valdivia, J. & Zarama, Roberto. (2021). Network analysis of collaboration in networked universities. Kybernetes. 51. 1341-1364. 10.1108/K-10-2020-0648.
- Mulla, Ebrahim. (2019). Antifragile: Things that Gain from Disorder. InnovAiT: Education and inspiration for general practice. 13. 127-127. 10.1177/1755738019885153.
- Ortiz Ruiz, Francisca & Tubaro, Paola & Molina, José Luis & Neal, Jennifer & Vacca, Raffaele & Diesner, Jana & adams, jimi & Birkett, Michelle & Godley, Jenny & Lovato, Juniper & Schoenhuth, Michael & Teves, Laura & Zimmer, Michael. (2026). Recommendations for conducting ethical network research. Network Science. 14. 10.1017/nws.2026.10034.
- Orton, James Douglas & Douglas, James & Weick, Karl. (1990). Loosely Coupled Systems: A Reconceptualization. Academy of Management Review. 15. 203-223. 10.2307/258154.
- Priß, Deborah & Prell, Christina & Lawrence, Daniel & Turnbull, Laura & Wainwright, John. (2025). The social behind the physical 1 Assessing tie formation processes of ancient route systems 2 3.
- Robins, G., Pattison, P., Kalish, Y., & Lusher, D. (2007). An introduction to exponential random graph (p) models for social networks. Social Networks, 29(2), 173–191
- Salbanya, B., Carrasco-Farré, C., & Nin, J. (2024). Structure matters: Assessing the statistical significance of network topologies. PLOS ONE, 19(10), e0309005. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0309005
- Snijders, T. A., Van de Bunt, G. G., & Steglich, C. E. (2009). Introduction to stochastic actor-based models for network dynamics. Social Networks, 32(1), 44-60. https://doi.org/10.1016/j.socnet.2009.02.004
- SON, Youngha & Kim, In-sook & Lee, Sangseub. (2026). Structural Relationship among Organizational Culture, Organizational Effectiveness, Positive Psychological Capital, and Job Burnout in Public Institutions. The Journal of Future and Convergence Education. 4. 5-28. 10.61765/kafec.2026.4.2.5.
- Sparrowe, Raymond & Liden, Robert & Wayne, Sandy & Kraimer, Maria. (2001). Social Networks and the Performance of Individuals and Groups. In Press -Academy of Management Journal. 44. 10.2307/3069458.
- Tahirkheli, S. K. (2021). E-Leadership theory – A more than ever virtually connected world needs a virtually theorized leadership in a globally cross-cultural network space. Social Sciences & Humanities Open, 6(1), 100299. https://doi.org/10.1016/j.ssaho.2022.100299
- Taleb, N. N. (2012). Antifragile: Things that gain from disorder. Random House.
- Zhang, Y., & Xiao, X. (2022). A Dynamic Community Detection Method for Complex Networks Based on Deep Self-Coding Network. Computational Intelligence and Neuroscience, 2022, 7084084. https://doi.org/10.1155/2022/7084084
- Zhang, Youliang & Mok, Ko & Gao, Xueying & Zhang, Qi. (2024). Understanding the Chinese−Foreign cooperation in running schools: from the perspective of loose coupling theory. Journal of Asian Public Policy, 19. 489-508. 10.1080/17516234.2024.2395021.





